ابن أبي مخرمة
310
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وحسن تدبيرك ، وقد قلدتك الأمر ، ودفع إليه خاتمه ، وفي ذلك يقول الموصلي : [ من الطويل ] ألم تر أن الشمس كانت سقيمة * فلما ولي هارون أشرق نورها بيمن أمين اللّه هارون ذي الندى * فهارون واليها ويحيى وزيرها ومن كلام يحيى : ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها : الهدية ، والكتاب ، والرسول ، وكان يقول لولده : اكتبوا أحسن ما تسمعون ، واحفظوا أحسن ما تكتبون ، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون . ومما يدل على غزارة عقله ، وصواب رأيه : ما يحكى أن الرشيد استشاره في هدم إيوان كسرى ، فأشار عليه بالترك ، فلم يحمله هارون على النصحية ، وظن أنه أحب بقاء آثار المجوس ؛ لما يقال : إن أصل البرامكة مجوس ، وربما شافهه بذلك تبكيتا ، فشرع الرشيد في الهدم ، فغرم على هدم قطعة يسيرة أموالا جزيلة ، وصعب الهدم عليه وتعسر ؛ لقوة إحكام بنائه ، فاستشار يحيى ثانيا في ترك الهدم ، فأشار عليه بألا يترك ما شرع فيه من الهدم ، فقال : سبحان اللّه ! أشرت أولا بترك الهدم ، وأشرت ثانيا بالهدم ، فقال ما معناه : أشرت أولا بترك الهدم ؛ ليعرف شرف الإسلام وعلوه وقوة تأييده على من رأى تلك الآثار التي ظهر عليها الإسلام ، وأذل أهلها ، وأزال ملكهم الذي كان زواله لا يرام ، وعزه لا يضام ، فلما لم تقبل شوري ، وشرعتم في هدمه ، واستشرتني في ترك ذلك . . أشرت عليك بعدم الترك ؛ لئلا يدل ذلك على ضعف الإسلام فيقال : عجز المسلمون عن هدم ما بناه المخالفون لدينهم ، والهدم أسهل من البناء ، فعرف الرشيد نصيحته في ذلك . وله في الجود والكرم حكايات مشهورة : منها : ما حكى إسحاق النديم الموصلي قال : كانت صلات يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له في الطريق . . مائتي درهم ، فركب ذات يوم ، فتعرض له شخص وأنشده : [ من الخفيف ] يا سمي الحصور يحيى أتيحت * لك من فضل ربنا جنتان كل من مر في الطريق عليكم * فله من نوالكم مائتان مائتا درهم لمثلي قليل * وهي منكم للقابس العجلان قال يحيى : صدقت ، وأمر بحمله إلى داره ، فلما رجع من دار الخلافة . . سأله عن حاله ، فذكر أنه تزوج امرأة ، وقد أخذ بواحدة من ثلاث : إما أن يؤدي المهر وهو أربعة